الشيخ علي الكوراني العاملي

28

مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي ( ط 2 )

لكن محاسن أنواره لا يثقفها إلا البصائر الجلية ، وأطايب ثمره لا يقطفها إلا الأيدي الزكية ، ومنافع شفائه لا ينالها إلا النفوس النقية ، كما صرح تعالى به فقال في وصف متناوليه : إنهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ، لايَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ . وقال في وصف سامعيه : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لايُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً . وذكرتُ أنه كما لا تدخل الملائكة الحاملة للبركات بيتاً فيه صورةٌ أو كلبٌ ، كذلك لا تدخل السكينات الجالبة للبينات قلباً فيه كبرٌ وحِرْصٌ ، فالخبيثات للخبيثين ، والخبيثون للخبيثات ، والطيبات للطيبين ، والطيبون للطيبات . ودللت في تلك الرسالة على كيفية اكتساب الزاد ، الذي يرقى كاسبه في درجات المعارف ، حتى يبلغ من معرفته أقصى ما في قوة البشر أن يدركه ، من الأحكام والحكم ، فيطلع من كتاب الله على ملكوت السماوات والأرض ، ويتحقق أن كلامه كما وصفه بقوله : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَئٍْ . جعلنا الله ممن تولى هدايته حتى يبلغه هذه المنزلة ، ويخوله هذه المكرمة ، فلن يهديه البشر من لم يهده الله كما قال تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) : إنكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ . وذكرتُ أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية . ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة ، فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المُعاون لمن يريد أن يدرك معانيه ، كتحصيل اللِّبْن في كونه من أول المُعاون في بناء ما يريد أن يبنيه ، ليس ذلك نافعاً في علم القرآن فقط ، بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع ، فألفاظ القرآن هي لُبُّ كلام العرب وزُبدته ، وواسطته وكرائمه ، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم ، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم . وما عداها وعدا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها ، هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى ، بالإضافة إلى أطايب الثمرة ، وكالحثالة والتبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة . وقد استخرت الله تعالى في إملاء كتاب مستوفى ، فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجي ، فنقدم ما أوله الألف ثم الباء ، على ترتيب حروف المعجم ، معتبراً فيه أوائل حروفه الأصلية دون الزوائد ، والإشارة فيه إلى المناسبات التي بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات ، حسبما يحتمل التوسع في هذا الكتاب ، وأحيل بالقوانين الدالة على تحقيق مناسبات الألفاظ على الرسالة التي عملتها مختصة بهذا الباب ، ففي